أصداء الجنوب – آسفي
أعادت تدوينة متداولة على نطاق واسع، منسوبة إلى شخص يعرّف نفسه باعتباره إعلامياً بمدينة آسفي، فتح نقاش قانوني ومجتمعي واسع حول الحدود الفاصلة بين حرية الرأي والتعبير، باعتبارها حقاً دستورياً مكفولاً، وبين المسؤولية القانونية والأخلاقية التي تفرضها طبيعة الخطاب المنشور في الفضاء الرقمي، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا ترتبط بالأمن المجتمعي والهجرة غير النظامية.
وجاءت هذه التدوينة في ظرفية حساسة، تتزامن مع التداعيات التي خلفتها محاولات الهجرة الجماعية نحو مدينة سبتة المحتلة، وما رافقها من خسائر بشرية ونقاش وطني واسع حول أسباب الظاهرة وانعكاساتها. وهو ما جعل مضمونها يثير ردود فعل متباينة، بعدما اعتبر عدد من المتابعين أن بعض العبارات الواردة فيها قد تُفهم على أنها تبرر أو تهون من أفعال يجرمها القانون، أو تقدم قراءات قد تُفسر على أنها تشجع على سلوكيات مخالفة للقانون.
وقد خلف انتشار التدوينة حالة من الغضب والاستغراب لدى عدد من الفاعلين والإعلاميين ورواد مواقع التواصل الاجتماعي، الذين اعتبروا أن من يمارس العمل الإعلامي أو يمتلك تأثيراً في الرأي العام يتحمل مسؤولية مضاعفة في اختيار مضامينه، وأن حرية التعبير لا تعفي صاحبها من واجب احترام القانون ومراعاة خطورة الرسائل الموجهة إلى فئات من الشباب الذين يعيش بعضهم أوضاعاً اجتماعية واقتصادية هشة.
وفي خضم هذا الجدل، عادت إلى التداول معطيات غير مؤكدة بشأن وجود شكايات سابقة قيل إنها وجهت إلى المعني بالأمر، وأن بعضها انتهى بالحفظ. غير أن هذه المعطيات، في غياب أي بلاغات أو وثائق رسمية تؤكدها، تظل مجرد ادعاءات لا يمكن البناء عليها، احتراماً لقرينة البراءة التي يضمنها الدستور والقانون، والتي لا تسقط إلا بمقتضى أحكام قضائية نهائية.
ويرى متابعون أن القضية المطروحة اليوم تتجاوز شخص صاحب التدوينة، لتلامس سؤالاً أعمق يتعلق بمستقبل الخطاب الرقمي في المغرب، وبمدى قدرة المجتمع على التوفيق بين حماية حرية التعبير، وبين التصدي لكل محتوى قد يكون قابلاً للتأويل باعتباره تحريضاً على ارتكاب أفعال مخالفة للقانون أو تبريراً لها.
كما يؤكد مختصون في القانون أن التشريعات الوطنية تتضمن مقتضيات تنظم المسؤولية عن المحتويات المنشورة عبر الوسائط الإلكترونية، غير أن تكييف أي منشور قانونياً، وتحديد ما إذا كان يدخل في نطاق حرية التعبير أو يشكل فعلاً معاقباً عليه، يظل اختصاصاً حصرياً للنيابة العامة والقضاء، ولا يمكن أن يخضع للأحكام المسبقة أو للمحاكمات التي تدار عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وفي هذا الإطار، تتجه الأنظار إلى النيابة العامة باعتبارها المؤسسة المخول لها قانوناً تقييم طبيعة المحتوى المتداول، واتخاذ ما تراه مناسباً إذا تبين وجود عناصر تستوجب البحث أو التحقيق، مع احترام الضمانات القانونية لجميع الأطراف، وفي مقدمتها قرينة البراءة وحق الدفاع والمحاكمة العادلة.
إن دولة الحق والقانون لا تستقيم بمحاكمات افتراضية تصدرها مواقع التواصل الاجتماعي، كما لا تستقيم أيضاً بغض الطرف عن كل محتوى يثير شبهة مخالفة القانون. لذلك يبقى القضاء وحده صاحب الاختصاص في الفصل بين ما يدخل في إطار حرية التعبير المكفولة دستورياً، وما قد يشكل تجاوزاً يقتضي ترتيب الآثار القانونية.
وفي انتظار ما قد تسفر عنه مواقف أو إجراءات رسمية، يبقى الرأي العام معلقاً على قدرة المؤسسات المختصة على كشف الحقيقة وتطبيق القانون بمعايير موحدة، بما يعزز الثقة في العدالة، ويؤكد أن حماية حرية التعبير لا تنفصل عن حماية النظام العام واحترام القانون.


