أصداء الجنوب – آسفي
يشهد إقليم آسفي خلال المرحلة الأخيرة دينامية إدارية متجددة، عنوانها الانتقال من منطق التدبير التقليدي للملفات إلى مقاربة شمولية تقوم على الحكامة، واستباق الإشكالات، والبحث عن حلول مستدامة تراعي القانون وتحفظ في الآن نفسه التوازنات الاجتماعية والاقتصادية.
فمنذ توليه مسؤولية تدبير شؤون الإقليم، عمل عامل إقليم آسفي على إرساء أسلوب جديد في الإدارة الترابية، يقوم على الحضور الميداني، والتتبع المستمر، والانفتاح على مختلف الفاعلين، في انسجام واضح مع التوجيهات العامة للإدارة المركزية، ولا سيما ما يتعلق بتكريس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز سيادة القانون، وترسيخ الإدارة المواطنة.
وقد تجلت معالم هذه الرؤية في طريقة معالجة عدد من الملفات التي ظلت لسنوات تراوح مكانها، حيث تم تجاوز منطق التدخلات الظرفية نحو اعتماد حلول هيكلية تستند إلى تشخيص دقيق لمكامن الاختلال، وترتيب الأولويات وفق معايير موضوعية تراعي المصلحة العامة ومتطلبات التنمية.
وفي هذا الإطار، اعتمدت السلطات الإقليمية مقاربة تشاركية قائمة على إشراك مختلف المتدخلين، من جماعات ترابية، ومصالح لاممركزة، ومؤسسات عمومية، وفعاليات المجتمع المدني، بما ساهم في خلق دينامية جديدة قوامها التنسيق والالتقائية في تدبير القضايا ذات الأولوية.
كما شكل الحوار أحد المرتكزات الأساسية لهذه المقاربة، حيث تم فتح قنوات التواصل مع مختلف الأطراف المعنية بعدد من الملفات الحساسة، الأمر الذي أسهم في احتواء العديد من التوترات، وإيجاد صيغ توافقية تحترم القانون، دون إغفال الاعتبارات الاجتماعية والاقتصادية، وهو ما عزز منسوب الثقة بين الإدارة والمواطنين.
وفي الملفات المرتبطة بالتعمير واستغلال الملك العمومي، سعت السلطات الإقليمية إلى تحقيق توازن دقيق بين فرض احترام القانون وإتاحة فرص التسوية القانونية كلما توفرت الشروط لذلك، مع التشدد في مواجهة حالات التمادي والإصرار على استمرار المخالفات، بما يضمن حماية المصلحة العامة وترسيخ مبدأ المساواة أمام القانون.
وعلى المستوى الاقتصادي، برزت جهود واضحة لتسريع معالجة الملفات الاستثمارية، من خلال تبسيط الإجراءات الإدارية، وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمستثمرين، وتوفير مناخ أكثر ملاءمة للاستثمار، بما يساهم في استقطاب المشاريع، وتحريك الدورة الاقتصادية، وخلق فرص الشغل، مع الحفاظ على الضوابط القانونية والتنظيمية المؤطرة لهذا المجال.
وتعكس هذه الدينامية تحولاً في مفهوم الإدارة الترابية، من جهاز يقتصر دوره على تدبير الملفات اليومية، إلى مؤسسة فاعلة في مواكبة التنمية المحلية، وصناعة الحلول، وتدبير التحولات التي يعرفها الإقليم، وفق رؤية ترتكز على النجاعة والشفافية وحسن التدبير.
وفي المجمل، تبدو تجربة عامل إقليم آسفي نموذجاً لتدبير ترابي حديث، يجمع بين الحزم في تطبيق القانون، والمرونة في معالجة الإشكالات، والانفتاح على مختلف الفاعلين، بما يكرس أسس الحكامة الجيدة، ويعزز مسار التنمية المحلية، ويجعل من خدمة المواطن وتحقيق المصلحة العامة جوهر العمل الإداري.

